حظر استخدام السيانيد والزئبق

بسم الله الرحمن الرحيم 

ظل عنصر السيانيد الأكثر استعمالا في معالجة المعادن النفيسة واستخلاصها من خاماتها، كما أن الازدياد المضطرد في النشاط التعديني في الآونة الأخيرة، ضاعف من استعمال هذه المادة بصورة مكثفة مما حدا بخبراء البيئة من تكثيف نشاطهم البحثي حول الآثار المترتبة على البيئة جراء استعمال هذا العنصر المهم تقنيا الضار بيئيا. 

ينتج العالم سنويا 1.15 مليون طن من السيانيد يستهلك قطاع التعدين 18% منها ويذهب الم تبقي في مدخلات الانتاج الزراعي والدوائي والطبي والصناعات البلاستيكية وغيرها من صناعات. تحتل الصين المرتبة الأولى في الاستهلاك، تليها أمريكا الجنوبية ثم أوروبا. أما في استهلاك سيانيد الصوديوم في استخلاص الذهب فتأتي أمريكا الشمالية والجنوبية في المقدمة ثم أستراليا وجنوب وغرب أفريقيا والصين تاليا )أنظر الرسم البياني أسفله (. 

وهي من أشد السموم قتلا وأشدها فتكا  ،سريعة الهلاك إذا  ما ابتلعت أو تحمضت منتجة غاز هايد روجين السيانيد القاتل عند الاستنشاق، إذ يسبب السيانيد قصورا هائلا في  إمداد الخلايا بالأوكسجين عن طريق الارتباط بجزيئات الحديد المؤين وهناك أكثر من أربعين نظاما إنزيميا تتوقف أنشطتها عند تسمم جسم الإنسان بالسيانيد فقد أشارت الدراسات الحديثة أن استنشاق 200 إلى  500  جزء من هايد روجين السيانيد موجودة في مليون جزئ من الهواء لمدة  10  الى  30 دقيقة  يؤدي إلى الموت المحقق،  أما سيانيد الهيدروجين السائل فيخترق الجلد وقد تمتصه الرئتان عندما ينتشر في الهواء على شكل ضبابي. 

إن استعمال محلول السيانيد في استخلاص المعادن النفيسة بدأ منذ 1890م وتعتمد هذه الطريقة على ذوبان المعدن في محلول ملح السيانيد. 

 معلوم أن استعمال محلول السيانيد في استخلاص المعادن النفيسة بدأ منذ عام 1890م خاصة استخلاص عنصري الذهب والفضة من خاماتها وتعتمد هذه العملية على ذوبان هذه العناصر في محاليل السيانيد بإحدى طريقتين:  

طريقة الطحن التقليدية) (Milling

وفيها يطحن الخام ويخلط بمحلول الخام في خزانات المزج (Leach Tank) لتكوين رقائق طينية (Pulp) لينتج عن ذلك تطوين سيانيد الذهب (Aurocyanide)  والذي يمكن فصل الذهب منه بواسطة الامتصاص على أسطح ذرات الكربون المنشط  (Activated Carbon- CIL)  أو بالترسيب الزنكي  (Zink Precipitation)  ثم بعد ذلك يسلب الذهب من الكربون ليرسب، ثم يصهر في الأفران لإنتاج السبائك، أما النفايات الأخيرة فتجب معالجتها بأن ترُشح من محلول محتويات السيانيد، ولك الشركات والمعدنين يقومون بسكبها في العراء، لتفادي كلفة الترشيح. 

الطريقة الثانية  :

وتعرف بطريقة ترشيح الركام(Heap Leach)   بمحلول السيانيد وفيها يرش محلول السيانيد فوق أسطح ركام الخا م المروش(Crushed)  أو نفايات المعالجات السابقة المشونة فوق طبقة من البلاستيك غير المسامي ويرش هذا الركام بمحلول السيانيد المخفف) 500 جزء من المليون من الجرام( بواسطة التنقيط )كتلك المستخدمة في الري بالمزارع(، هذا المحلول المرشح الحامل للذهب يجمع في برك كبيرة مبطنة هي الأخرى بطبقة بلاستيك قبل ضخه بالمضخات عبر أعمدة مشحونة بالكربون المنشط لامتصاص الذهب  

(Absorption – CIC( من  المحلول الحامل ل ه على أسطح ذرا ت الكربون، ليعود بعدها المحلول خالي من الذهب مرة أخرى ليستعمل في رش الركام وهكذا تستمر العملية في دائرة مغلقة. 

هذه الطريقة الأخيرة هي المستخدمة في شركات التعدين بالسودان) رضا وأرياب والحجاجية وغيرها(وكذلك في الولايات المتحدة حيث أثبتت الاحصاءات أن حو الي 79% من الذهب المنتج فيها) 175 طن( ينتج في نيفادا بهذه الطريقة أي الترشيح بالسيانيد ولكن عبر إتباع إجراءات سلامة مشددة وطرق قاسية المعايير في التخلص من مخلفاتها. وكان البرلمان المحلول، قد كشف عن طريق كتلة نواب الولاية الشمالية، عن نفوق عدد من الأغنام بالقرب من نهر النيل في مناطق حلفا والبرقيق ودنقلا، وعزت الكتلة الأمر إلى استخدام مادة السيانيد شديدة السمية في عمليات تنقية الذهب في مناطق التعدين الأهلي، وتكرر الأمر في كل من مناطق البطانة وجنوب كردفان. 

العواقب والآثار الكارثية المتوقعة جراء استخدام السيانيد في التعدين: 

  1. التأثير المباشر على الإنسان والحيوان والذي يؤدي إلى الموت، وكذلك تلوث البيئة. 
  2. غاز سيانيد الهيدروجين هو غاز عديم اللون ويتكون وينتشر عبر الهواء بسهولة أثناء عمليات التعدين، واستنشاقه يؤدي إلى الموت في غضون 30 دقيقة.
  3. استمرار تواجد مخلفات السيانيد لمدة طويلة تمتد إلى سنوات وصعوبة التخلص منها يؤدي إلى كارثة تمتد آثارها لسنين طويل ة خاصة بالقرب من المدن وموارد المياه. 
  4. يزداد خطر استخدام السيانيد في التعدين خاصةً في المناطق التي تتمتع بمعدلات هطول أمطار عالية تساعد على انتشار هذه المادة القاتلة إلى أماكن بعيدة. 
  5. التأثير المباشر على تلوث المياه الجوفية خاصة في المناطق التي يعتمد سكانها على الشرب من الآبار.

أمثلة للكوارث الإنسانية والبيئية في العالم جراء التلوث بالسيانيد: 

التداعيات البيئية على مستوى النبات والحيوان في محيط استخراج الذهب كثيرة ولعل أشهرها ما حدث في موريتانيا عام 2009م عنما استخدمت شركة تازياست التي تنقب على بعد 250 كلم شرق العاصمة نواكشوط، أكثر من 14 طنا من السيانيد لتعمد بعدها على التخلص منها برميها في العراء، بعد أن كانت مخزنة أصلا في العراء. ولا حقا اعترفت الشركة بأخطار استخدام السيانيد على البيئة والطبيعة المحيطة بمكان الاستخدام، وبحسب الخبراء البيولوجيين فإن تلك الكمية وطريقة التخلص من مخلفاتها، تبرر القلق المتزايد حول تلوث البيئة.  

الحادثة الأشهر في التاريخ هي استخدام غاز سيانيد الهيدروجين من قبل حكومة هتلر النازية ف ي مذبحة الهولوكوست فيما عرُفت بأفران الغاز )1941 إلى 1945م.(

تسرب  مخلفات  300  ألف طن من السيانيد  كانت تستعملها شركة كابرييل روسوس الكندية في اقليم ترانسيلفانيا، أودى بحياة 89 شخصا في رومانيا عام 1971م.

عدم التخلص من مخلفات السيانيد أدى أدى للتأثير على حياة 50 ألف شخص بصورة قاتلة في غينيا الجديدة عام 1984م وامتد أثرها الى العام 2013م.

تسرب المخلفات السامة للسيانيد تسبب في إتلاف كميات كبيرة من محصول الأرز ودفن قرية كاملة بالطين وترحيل 20 قرية أخرى في الفلبين عام 1996م.

تسربت مخلفات التعدين وأدت إلى كارثة بيئية في بحيرة فكتوريا عام كندا 2014م.

تسربت مخلفات السيانيد إلى نهر بتوريللوس وأدت إلى نفوق آلاف الأطنان من الأسماك بالأرجنتين عام 2015م.

ما يحدث في السودان بعيد جدا عن الإنسانية، حيث أن خطط السلامة والصحة ليست من الشروط اللازمة لمنح تصديق العمل في مجال التعدين، بسبب جشع المسئولين في النظام البائد، الذين لم يكن يهمهم سوى الذهب والاستزادة منه ،فرفضت السلطات المسئولة آنذاك من وضع اشتراطات السلامة والصحة المهنية كما رفضت إنشاء إدارة متخصصة وفاعلة لها في الوزارة، مع وضع خطط السلامة ضمن الشروط المؤهلة للشركات للحصول على تراخيص العمل، وفي كل مرة يتم تكوين لجنة لمناقشة الأمر وفي النهاية تفشل محاولات الخبراء والناشطين لأسباب تسُأل عنها الوزارة وأكبر هذه الأسباب هي خوفها من إمتاع المستثمرين عن العمل في التعدين بسبب تكاليف الإلزام بخطط السلامة والصحة المهنية رغم أنها ليست عالية، وفي كل الأحوال فإن سلامة الانسان والحيوان والبيئة هي مسئولية الدولة وإن كانت عالية التكلفة. 

بعض مواقع التعدين )الزويرة في نهر النيل كمثال( تقع قرب القرى السكنية المأهولة وتستخدم نفس خطوط الامداد المائي الذي يجلب المياه من النيل، وهو  الأمر الذي يزيد من خطورة احتمالات وصول المادة إلى النيل ومن ثم إلى بطون الأهلي في المنطقة، كما وأن بعض الأهالي يستخدمون عبوات السيانيد الفارغة في جلب المياه. كما وأن معظم معامل الشركات العاملة في التنقيب عن الذهب، تجد أن نظام المعمول به مفتوح، بمعنى أنه لا  يحاصر الخطر بحيث ينتهي في حدود المعمل وينتج في النهاية مخلفات خطرة إلى البيئة المحيطة به دون معالجة علمية صحيحة. 

مادة السيانيد ضارة بالخلية الحيوانية، وتؤثر على الجهازين العصبي والتنفسي، والمادة المستخدمة في السودان هي سيانيد الصوديوم وهو مركب بالغ الخطورة ويتسبب في الموت الفوري لأي كائن حي يبتلع كمية أصغر حجما من حبة الأرز، أما التعرض المطول لهذه السموم ولو بتركيز منخفض، يؤدي إلى آلام حادة ودائمة في الرأس، وانعدام الشهية والدوخة والتهيج في الأعين وفي الجهاز التنفسي ونمو غير عادي في الغدة الدرقية ويتسبب  في تغير الجينات وينتج أطفالا مشوهين، كما تصيب المادة البيئة بأضرار بالغة إذا لم يتم معالجتها، وطرق التأثر بها يبدأ باللمس والاستنشاق والبلع، ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن السيانيد قابل للذوبان وسهل الامتصاص بالجلد وينجرف بالهواء، كما تكفي قطرة واحدة منه في المتر المربع من المياه لقتل الأسماك بها. 

نسبة لطبيعة السيانيد السامة والخطيرة فقد عملت كثير من الدول حول العالم والتي تحترم مواطنيها مثل امريكا، الاتحاد الأوربي، رومانيا، التشيك، جنوب إفريقيا، الأرجنتين، وغيرها بإيقاف التعدين عن طريق مادة السيانيد، أو تشريع قوانين صارمة للسلامة تقيد استخدام المادة 

يعد الزئبق من العناصر الطبيعية ويوجد في قشرة الأرض ويتم إطلاقه بشكل طبيعي من خلال النشاط البركاني وتآكل الصخور، وهو موجود بأشكال مختلفة لكل منها درجة متفاوتة من السمية ولكن جميعها ضار بشكل متساو  ، فهي تؤثر على المخ والقلب والكليتين والرئتين والجهاز المناعي لجميع الكائنات الحي ة ولأن التعرض للزئبق  – حتى الكميات الصغيرة  – يتسبب في مشاكل صحية خطيرة، بما في ذلك مشاكل صحية في الرحم، فقد اعتبرته منظمة الصحية العالمية أحد أكثر المواد الكيميائية العشرة في العالم التي تؤثر على الصحة العامة.

يساهم النشاط البشري في الجزء الأكبر من إطلاق الزئبق في البيئة، ففي كل عام يتم إطلاق ما يصل إلى 9000 طن من الزئبق في الغلاف الجوي، في الماء وعلى سطح الأرض، ويتمثل أكبر مصدر لانبعاثات الزئبق في تعدين الذهب الحرفي، ويتمتع الزئبق بحياة بيئية طويلة ومسار عالمي، حيث يتنقل بين الغلاف الجوي والمحيطات وسطح الأرض.

 هناك تأكيدات على أن مادة الزئبق تستخدم في التعدين الأهلي في السودان، من دون دراية كافية لدى مستخدميها من المعدنين والتجار، إذ تباع في السوق من دون أي ضوابط ومعظم هؤلاء المعدنيين من صغار السن  ويتعاملون مع الزئبق تعاملهم مع ملح الطعام،. ورغم المناشدات المتكررة من الخبراء بحظر استخدامه، إلا أنهم لم يجدوا أذنا صاغية من السلطة البائدة، فالحكومة تريد الذهب وبأية طريقة دونما التفات لما قد يحدث في المستقبل القريب. 

مادة الزئبق مصنفة ضمن المعادن الخطرة في العالم لأنها سامة وتسبب السرطانات بمختلف أنواعها ويتعامل معها المعدنيون بلا مبالاة قاتلة وبصورة مباشرة ويستنشقون الغاز المنبعث منه أثناء تعريض خام الذهب للنار، وينتج التعدين الأهلي آلاف الأطنان من التربة )الكرتة( كمخلفات بعد استخلاص الذهب منها، كلها ملوثة بالزئبق، ثم تأتي الشركات وتخضعها مجددا لعمليات استخلاص تستخدم فيها مادة السيانيد الأقل تكلفة من الزئبق وتضمن نسبة استخلاص عالية تصل إلى 90% لكن المخلفات الناتجة عنها تكون ملوثة بالمادتين معا وهذا أكثر خطرا ويفاقم المشكلة الصحية والبيئية.  الكرتة في حد ذاتها تبعث اشعاعات كيميائية تصيب الحرث) الزراعة( بكثير من الأضرار خاصة الموالح والطماطم والموز والبقوليات فتصبح المادة الغذائية حاملة لمواد مسرطنة بطول الأمد، كما  تسبب الكثير من الأمراض الجلدية للعاملين فيها أو المتعرضين لغبارها وتقتل خلايا نمو الجلد مما حدا بالناشطين بتسمية مصانع الكرتة ب)مصانع الموت(.  أكثر من مليون مواطن سوداني يتعامل بطريقة مباشرة مع الزئبق في التعدين الأهلي، رغم تحذيرات الخبراء المختصين من الكارثة البيئية المحتملة بمناطق التعدين المختلفة والتي قد تمتد آثارها إلى أبعد من مناطق استخدامها بفعل ا لأهوية والرياح والمياه. 

هاتان المادتان تعتبران من المواد التي تم تصنيفها بالشديدة الخطورة على الانسان والبيئة والحيوان، وملوثا خطرا. قننت السلطات الحكومية وشرَعت استخدامهما في التنقيب عن الذهب دون وضع أية ضوابط تحكمه ا. ورغم تكوين اللجنة الوطنية للتخلص من الزئبق في السودان عقب توقيع )اتفاقية الميناماتا بشأن الزئبق (Minamata Convention on Mercury في 24 سبتمبر 2014، )هذه الاتفاقية العالمية التي سميت ببميناماتا نسبة إلى مدينة ميناماتا في اليابان، حيث تسممت المجتمعات المحلية فيها بمياه الصرف الصناعي الملوثة بالزئبق في أواخر الخمسينات من القرن الماضي وعانت من آثار مدمرة وغير قابلة للعلاج وآثار وصمية، ويتذكر المجتمع الدولي من إتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق العديد من الأرواح التي فقدت بالفعل بسبب التسمم بالزئبق ويلتزم المجتمع الدولي بالوقاية من وقوع كوارث مماثلة، حيث تعمل الاتفاقية على الحد من تعدين الزئبق وتنظيم تجارته وحظر استخدامه في المنتجات وتعدين الذهب ومراقبة انبعاث الزئبق في الماء والهواء(   الا ان استخدام السيانيد والزئبق لازال مستمرا الى يومنا هذا، ومن الثابت علميا أن بخار الزئبق يتسبب في أمراض الجهاز العصبي، وإذا زاد تركيز الزئبق عن 80 مليجرام، يتسبب في التسمم والإصابة بالعمى وتلف الجهاز العصبي وتغيير الجينات مما يسبب الوفاة وولادة الأطفال المشوهين خلقيا وجينيا وكذلك تأثيره السلبي على خصوبة الانسان. 

  1. بناء على ما سبق ف إننا نطالب السلطات المختصة بحظر استخدام الزئبق ق على نطاق السودان، ومعالجة آثاره وتشديد العقوبات حيال استخدامه.  
  2. سن القوانين التي تحظر استخدام الزئبق والسيانيد وتعاقب مخالفيه. 

اترك تعليقًا